محمود سالم محمد

355

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

معجزاته ، فأخذ ينظم أحاديثها ، والروايات الغيبية الكثيرة حولها ، متعرّضا للسيرة ، ناظما أبرز أحداثها ، في أكثر من أربع مئة بيت ، لا نتبين خلالها أي انتقال ، أو أي جزء من أجزاء القصيدة ، فلا مقدمات ولا انتقال ، بل نظم حتى ينتهي إلى الخاتمة ، التي يطلب فيها الشفاعة . وبذلك لا يتضح لنا الشكل الشعري للمدحة النبوية ، ولا نجد فيها موضوعات مستقلة ، بل هي منظومة تقرب من المنظومات التعليمية ، التي لا يهتم فيها ناظمها بالشكل الشعري ، وكل همّه أن يضع مادته في القالب الشعري لغرض في نفسه ، وهو إثبات المقدرة والبراعة ، أو تقرير علم من العلوم ليتمكّن الطلبة من استظهاره وحفظه . وهذا ما أبداه الصرصري أيضا في بعض مدائحه النبوية ، وهو الذي عرف مثل البوصيري بشاعريته الفياضة وبمقدرته على تقليب معاني المديح النبوي ، وغزارة شعره في هذا الباب . ويبدو أنه أراد ألّا يخلو ديوان مدحه النبوي من مثل هذا اللون من المدح النبوي ، الذي صنعه بعض الشعراء ونالوا به شهرة واستحسانا حسب ذوق أدباء ذلك الزمان ، فنظم قصيدة أربت على ثماني مئة وخمسين بيتا ، وهو عدد لم نعهده في القصائد العربية من قبل . وقد حاول في هذه القصيدة أن يجمع كل ما قيل في مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأن يوضح مذهبه الديني ، وبعض العقائد التي تباين موقف المسلمين منها ، فأرّخ في هذه القصيدة وروى ، وجادل ومدح ، وسبّح وتوسل ، دون أن يعير الشكل الشعري والتعبير الشعري الاهتمام الكافي إلا في مواضع قليلة ، وكان يبدو عليه الحرص على أن ينظم الأحاديث والروايات في أوزان شعرية ، ولو بدت نافرة مستعصية على الاندراج في السياق الشعري والخضوع للتعبير الشعري ، فبدأها بقوله : أصبحت أنظم مدح أكرم مرسل * لهجا به في رايق الأوزان حبّرت فيه قصيدة أودعتها * من مسند الأخبار حسن معاني